عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
129
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
فَلَمَّا أن دَعَا قلبِي هَوَاك أَجَابَهُ . . . فلست أرَاهُ عَن فنائك يبرح رُميت ببعد عَنْك إِن كنت كَاذِبًا . . . وَإِن كنت فِي الدُّنْيَا بغيرك أفرح وَإِن كَانَ شَيْء بالبلاد بأسرها . . . إِذا غبت عَن عَيْني لعَيْنِي يملح فَإِن شِئْت واصلني وَإِن شِئْت لَا تصل . . . فلست أرى قلبِي لغيرك يصلح وأمَّا الشوق إِلَى لقاء الله فهو أجل مقامات العارفين في الدُّنْيَا ؛ وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - " أنه كان يدعو : " اللهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أَحَبَّ الْأَشْيَاءِ إِلَيَّ ، وَخَشْيَتَكَ أَخْوَفَ الْأَشْيَاءِ عِنْدِي ، وَاقْطَعْ عَنِّي حَاجَاتِ الدُّنْيَا بِالشَّوْقِ إِلَى لِقَائِكَ ، وَإِذَا أَقْرَرْتَ أَعْيُنَ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ دُنْيَاهُمْ فَأَقِرَّ عَيْنِي مِنْ عِبَادَتِكَ " ( 1 ) . وإنما قال : " مِنْ غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ " لأنَّ الشوق إِلَى لقاء الله يستلزم محبة الموت ، والموتُ يقع تمنيه كثيرًا من أهل الدُّنْيَا ؛ بوقوع الضرَّاء المُضرة في الدُّنْيَا ، وإن كان منهيًّا عنه في الشرع . ويقع من أهل الدين تمنيه ؛ لخشية الوقوع في الفتن المُضلَّة . فسأل تمنّي الموت خاليًا من هذين الحالين ، وأنْ يكون ناشئًا عن محض محبَّة الله والشوق إِلَى لقائه ؛ وقد حصل هذا المقامُ لكثيرٍ من السلف . قال أبو الدرداء : أَحَبّ الموتَ اشتياقًا إِلَى ربي . وقال أبو عُتبة ( الخواص ) ( * * ) : كان إخوانكم لقاء الله أحب إليهم من الشَّهد . وقالت رابعةُ : طالت عليّ الأيامُ والليالي بالشوق إِلَى لقاء الله . ومكث فتح بن ( شخرف ) ( 2 ) ثلاثين سنة لم يرفع رأسه إِلَى السماء ، ثم رفع رأسه فَقَالَ : طال شوقي إليك فعجَّل بالقدوم عليك .
--> ( * ) إذا : " نسخة " . ( 1 ) أخرجه أبو نعيم في " الحلية " ( 8 / 282 ) . ( * * ) الخولاني : " نسخة " . ( 2 ) في المطبوع " شخروق " والصواب ما أثبتناه . انظر " طبقات الأولياء " لابن الملقن ( ص 222 ، 274 ، 319 ) ، و " طبقات الصوفية " ( ص 11 ، 143 ) و " سير أعلام النبلاء " ( 3 / 93 ) و " تاريخ بغداد " ( 12 / 384 ) .